https://kenanaonline.com/files/0119/119778/%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%85%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B3%D9%84%20(%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9%20%D8%AF%D9%8A%D8%B1%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%B3%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D9%8A%D8%A7)%2018%20%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%B3%201919%D9%85-22%20-2-2020-%D9%82%D8%A7%D8%B3%D9%85%20%D8%B2%D9%83%D9%89-%2018%20%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%B3%202020.pdf
الدكتور خليل
أبو زيد وثورة الدم والعسل في 1919م

"لم يحدث في تاريخ الإمبراطورية البريطانية التي
لم تغب عنها الشمس أن تصدى مدنيون لعسكريين كما حدث في قرية دير مواس في 18 مارس
سنة 1919م ". فالبداية كانت قبل ثورة 1919م أربعون يوما
حيث عاد الدكتور خليل أبو زيد من لندن إلي دير مواس بعد حصوله على درجة الدكتوراة. كانت مصر مستعمرة بريطانية
وقتها، وكانت بريطانيا تستولى على كل شيء حتى «الحمير والجمال» لصالح ما يسمى
بالمجهود الحربي للحرب العالمية الأولى. فلما عاد خليل ورأى ذلك، بدأ يجتمع بشباب دير
مواس ويشغلهم بالقضية الوطنية وبالحرية ويوعيهم بعواقب الاستعمار، وكان يجتمع مع
كل الأسر والعائلات، لأن «دير مواس» في ذلك الوقت كانت قرية متداخلة وترتبط
عائلاتها بصلات نسب ومصاهرة مع بعضها، والاجتماعات كانت تتم في قصر «أبوزيد».
ما كتبه
شيخ المؤرخين المصريين "عبد الرحمن الرافعي" عن واقعة دير مواس إبان
ثورة 1919م؛ في كتابه (ثورة 1919، تاريخ مصر القومي من سنة 1914الى سنة 1921)، دار
المعارف 1987م
ملحوظة: هذا هو الفصل
السادس من كتاب (مشاكسات منياوية في تاريخ الأمة المصرية) تألف د قاسم زكى (الكتاب
تحت الطبع 2020م)
الدكتور خليل أبوزيد وثورة الدم والعسل في
1919م

هنا نصل لشعلة النور والنار في تاريخ المنيا الوطني، والذي سجل بأحرف
من نور، وإن كان القائمون به مازالوا في الظل، وقليل من يعرفهم. لذا نرجو أن نسلط
الضوء على هؤلاء الأبطال الذين سجلوا بكل فخر وشرف تاريخ المنيا المجيد؛ وسبحوا ضد
تيار الاحتلال الإنجليزي لمصر ساعتها. وصارت قومتهم الذكية وصمودهم وتضحياتهم
البطولية ذكرى يحتفي بها كل عام في الثامن عشر من مارس كعيد قومي لمحافظة المنيا.
ويقف على
قمة هؤلاء الأبطال زعيم ثوار المنيا الدكتور خليل أبو زيد ورفاقه في مركز دير مواس،
الذين أشعلوا فتيل ثورة 1919م (ثورة الدم والعسل، كما سنفصل أدناه)، والتي امتدت
بطول المحافظة وعرضها بل ومصر كلها. ودعونا في البداية نذكر الأحداث العامة التي
وقعت في المحافظة، والتي وصفها شيخ المؤرخين "عبد الرحمن الرافعي" بأنها
أشد حوادث الثورة عنفاً في مصر كلها؛ ثم نعود لسجلات هؤلاء الأبطال.
***
ثورة 1919م وامتداداتها:
في الفصل السابق انتهينا إلى هزيمة الثورة العرابية وخذلانها والتنكيل بزعمائها ومؤيديها، ومكث المحتل جاثما على أرض المحروسة طيلة 37 عاما. ورغم تململ المارد المصري طيلة تلك السنوات، لكن لم يترك المحتل أرضنا ويذهب إلى بلاده. وزاد طغيان المحتل في مصر، مثل ما كانت تلاقيه الجماهير الفقيرة من ظلم واستغلال خلال سنوات أربع هي عمر الحرب العالمية الأولي، (1914-1918م)، ففي الريف كانت تُصادَر ممتلكات الفلاحين من ماشية ومحصول لأجل المساهمة في تكاليف الحرب. كما حرصت السلطات العسكرية على إجبار الفلاحين على زراعة المحاصيل التي تتناسب مع متطلبات الحرب، وبيعها بأسعار قليلة.
وتم تجنيد مئات الآلاف من الفلاحين بشكل قسري للمشاركة في الحرب فيما سمي بـ "فرقة العمل المصرية" (بلغت حوالي 1.2 مليون جندي مصري) التي استخدمت في الأعمال المعاونة وراء خطوط القتال في سيناء وفلسطين والعراق وفرنسا وبلجيكا وغيرها. نقصت السلع الأساسية بشكل حاد، وتدهورت الأوضاع المعيشية لكل من سكان الريف والمدن، وشهدت مدينتا القاهرة والإسكندرية مظاهرات للعاطلين ومواكب للجائعين تطورت أحيانا إلى ممارسات عنيفة تمثلت في النهب والتخريب. ولم تفلح إجراءات الحكومة لمواجهة الغلاء، مثل توزيع كميات من الخبز على سكان المدن أو محاولة ترحيل العمال العاطلين إلى قراهم، في التخفيف من حدة الأزمة. كذلك تعرض العمال ونقاباتهم لهجوم بسبب إعلان الأحكام العرفية وإصدار القوانين التي تحرم التجمهر والإضراب.
واستمر النضال طوال تلك
الفترة، حتى بلغ مداه حينما اندلعت ثور ة مارس 1919م في كل ربوع مصر المحروسة،
والتي قادها المناضل سعد باشا زغلول ورفاقه، في مواجهة الاحتلال الإنجليزي الغاشم،
كانت أهدافها المطالبة بالاستقلال وبرحيل الإنجليز عن مصر ورفع الحماية ونقل
السلطة لمجلس شعب منتخب. وتعد ثورة 1919م أول ثورة شعبية في أفريقيا وفي الشرق
الأوسط، تبعتها الثورة الهندية، وثورات العراق والمغرب وليبيا. حين خطرت للزعيم
سعد زغلول فكرة تأليف "الوفد المصري" من مجموعة كبيرة من السياسيين المصريين،
للدفاع عن قضية مصر وعرضها على العالم الحر. ذلك الوفد الذي ضم سعد زغلول ومصطفى
النحاس ومكرم عبيد وعبد العزيز فهمي وعلي شعراوي وأحمد لطفي السيد وآخرين. وقام
الوفد بجمع توقيعات من جماهير الشعب المصري، من أجل أن يسعوا بالطرق السلمية
المشروعة، حيثما وجدوا للسعي سبيلاً في استقلال مصر، تطبيقاً لمبادئ الحرية والعدل
والمساواة، والسفر إلي مؤتمر الصلح للسلام في باريس بعد انتصار الحلفاء (سنة
1918م)، لمناقشة القضية المصرية، وعرض قضية استقلال مصر .
وبالفعل وصلت التوقيعات لأرقام ضخمة، أقلقت المحتل الإنجليزي. والذي سرعان ما قام باعتقال
سعد زغلول ورفاقه ونفيهم إلى جزيرة مالطة (بالبحر المتوسط) في 8 مارس 1919م. فانفجرت
ثورة 1919م، والتي بدأت أحداثها في صباح يوم الأحد 9 مارس 1919م، بقيام الطلبة
بمظاهرات واحتجاجات في
أرجاء القاهرة والإسكندرية والمدن الإقليمية.
![]() |
الثورة الشعبية في مارس 1919م، والتي
عمت ربوع مصر ضد المحتل الإنجليزي
|
وما إن اشتعلت نيران ثورة 1919م حتى خرج الأهالي
في كل ربوع مصر، لمواجهة الاحتلال، والمطالبة باستقلال البلاد والإفراج عن زعيمها
وعودته ورفاقه من المنفى، حتى جن جنون
الإنجليز، ليخرجوا إلى الشوارع ويلقوا القبض على من تقع عليه أنظارهم، ويشعلوا
النيران في المنازل. لكن الشعب كعادته لم يتخل عن مواجهة هذا الظلم والاستبداد بكل
قوة وشجاعة. وطبقا للروايات ولمؤرخي هذه الفترة تمركزت أشد الثورات عنفا في أربعة
بلدان في أقاليم مصر المحروسة وهي: دير مواس بأسيوط، والشوبك بالجيزة،
وفارسكور بدمياط، وزفتى بالغربية، تلك البلدان قادت التمرد الذي أقلق الجيش
الإنجليزي، بل بعض تلك البلدان أعلنت استقلالها عن التاج المصري. واستمرت أحداث
الثورة إلى شهر أغسطس وتجددت في أكتوبر ونوفمبر، لكن وقائعها السياسية لم تنقطع
واستمرت إلى عام 1922م، وبدأت نتائجها الحقيقية تتبلور عام 1923م بإعلان الدستور
والبرلمان.
دير
مواس والشرارة الأولى:
ونتيجة هذه الثورة العظيمة لم يقف أهالي المنيا الشرفاء موقف المتخاذل
بل شاركوا إخوتهم الثوار في باقي أنحاء مصر. بدأت شرارة الثورة بالمنيا وأسيوط من قرية دير
مواس الباسلة
"بلد الدم والعسل" (قرية دير مواس آنذاك كانت تابعة لمركز ديروط مديرية أسيوط)، حيث
توجه أهالي دير مواس الشرفاء صبيحة يوم 18 مارس 1919م إلى محطة سكك الحديد ليلتقوا
مع ابنهم البطل الذى لم يذكر التاريخ اسمه كثيرا (بما يستحق) وهو الدكتور خليل
أبوزيد قادما ورفاق الثورة من منفلوط وديروط، وقاموا بقطع خط السكة الحديد أمام
قطار الجيش الإنجليزي المتجه إلى القاهرة، والذى كان من بين ركابه ثمانية جنود
إنجليز(والذين اُجبروا على التخفي في ملابس سيدات)؛ ومعهم القائمقام (بوب) مفتش السجون الإنجليزية
بالوجه القبلي. وقام الثوار بالهجوم على
القطار وقتل جميع الجنود الإنجليز بداخله بما يمثل ضربة قاصمة للجيش الإنجليزي
والإمبراطورية البريطانية، واندلعت بعدها الثورة في كل ربوع محافظة المنيا،
ونتيجة ذلك تم معاقبة الأهالي وإعدام عدد 34 من الثوار من بينهم البطل الدكتور
خليل أبوزيد قائد الثورة، وتم حبس 20 أخرين وتوقيع غرامات مشددة عليهم.
وفى مركز ملوي شمال
مركز دير مواس تجمع الأهالي بسرية وقطعوا خط السكة الحديد على قطار الإنجليز
العائد من دير مواس وعلى متنه جثث الجنود الإنجليز، والذين قُتلوا في دير مواس
وقاموا بسحب جثة القائمقام (بوب) مفتش السجون الإنجليزية، وطافوا بها أنحاء
المدينة تعبيرا منهم عن انضمامهم للثورة بمديرية المنيا واستمرار المقاومة وانتقلت
شرارة الثورة إلى باقي مراكز المنيا الشمالية.
ففي مركز أبو قرقاص ثار الأهالي
على الإنجليز بقيادة البطل "أحمد محمد أنيس" ناظر المدرسة
الابتدائية فقام الإنجليز بالقبض على الثوار وتعذيبهم وتغريمهم مبالغ طائلة وسجن
البعض منهم.
بينما تفجرت
مظاهرات عارمة في مدينة المنيا قلب
المحافظة في وقت سابق (يوم 10 مارس 1919م) وانقطعت أخبار القاهرة والمواصلات
والصحف واستمرت المظاهرات تطوف شوارع مدينة المنيا. لتتجدد
وتشتد المظاهرات في مدينة المنيا بعد أحداث دير مواس (18 مارس 1918م). حيث تجمع الأهالي
في ميدان "بالاس" بقيادة الشيخ الدكتور محمود عبد الرازق، وعقدوا مؤتمرا
جماهيريا حاشدا واعتصاما ضد الاحتلال الإنجليزي. بل تعالت الأصوات المطالبة
باستقلال المدن، وكان من بين هذه الأصوات الشيخ "أحمد حتاتة" المحامي
الشرعي، الذي أعلن استقلال المنيا بضواحيها، وأقام لنفسه إمبراطورية، كان جيشها من
الخفراء وبعض المتطوعين من الشباب والشيوخ، وشرع في تشكيل حكومة لتسيير شئون
المحافظة أو (الإمبراطورية كما سماها حينها).
وتألفت
لجنة وطنية للمحافظة على النظام وأرواح الأجانب؛ وأنشأت لها فروع في المراكز
والقري. تشكلت اللجنة من نحو خمسة وعشرين عضوا من أعيان المدينة والمديرية. فقام الجيش الإنجليزي بعملية أنزال بحري من
سفنه الراسية على النيل أمام مدينة المنيا، وقاموا بمهاجمة الثوار والمحتشدين، وتم
القبض على معظم قيادات الثوار، والزج بهم في السجون بناءا على محاكمات صورية
وزائفة.
وفى منطقة
مطاي وقراها قام
الثوار وحذوا حذو إخوانهم الثوار في دير مواس، وتوجهوا إلى خط السكة الحديد، وقاموا
بقطع الخط عن القطارات الخاصة بالجيش الإنجليزي لمنع وصول جنوده إلى المدن الثائرة.
حيث تم قطع خطوط السكك الحديدية أمام جميع قرى مطاي، رغم الإنذارات المتعددة من
الجيش الإنجليزي بأحراق قرى مطاي إذا تم قطع السكة الحديد؛ وهو مالم يلتفت إليه الثوار.
وقاموا بتدمير خط السكة الحديد، كما قام بعض الثوار في مطاي بتوزيع المنشورات على
المواطنين للمشاركة في الثورة والتمرد على الاحتلال الإنجليز.
***
وتلتقط بنى مزار شرارة
الثورة حيث قام ثوارها بمهاجمة بواخر الجيش الإنجليزي، حيث توجه الثوار والأهالي إلى
النيل في مسيرات حاشدة وقاموا بمهاجمة باخرتين للجيش الإنجليزي، كان بهم جنود إنجليز
قادمون من القاهرة لإخماد الثورة في المنيا. فأوقعوا بها إصابات متعددة وذكر
التاريخ إن مأمور المركز وهو شخصية وطنية، رفض التعرض للثوار وترك الفرصة لهم في
القيام بمهاجمة الإنجليز. وفى مغاغة أقصى
شمال المحافظة قام المواطنون الشرفاء بالثورة على الإنجليز بالمدينة واعتصموا بها،
وكانت قيادة الثورة للقاضي الشرعي لمركز مغاغة، كما شارك في الثورة مواطنون أجانب اعتراضا
على تصرفات الإنجليز الوحشية ضد مواطني المنيا ورفضهم الجلاء عن مصر ومنحها حق
تقرير المصير.
***
زعيم
الثورة في قلب الصعيد:
بقي أن نروي قصة زعيم تلك الثورة في تلك البلدة
الصغيرة "دير مواس"، وما حولها في أسيوط والمنيا، أنه ذلك الشاب الدكتور "خليل أبو
زيد علي محمود حسن سالم"
الذي عاد للتو من إنجلترا، وقد كان يدرس هناك الدكتوراة في علوم
الزراعة. ولهذا الموضوع قصة طريفة كان خلفها والده
العمدة الحاج "أبوزيد على محمود حسن سالم" (من قبيلة السوالم، التي
هاجرت إلى مصر من الجزيرة العربية إبان حكم محمد على باشا). وهو كبير أعيان دير
مواس ومؤسس عائلة أبوزيد (وأبناؤه 7 ذكور وهم الدكتور خليل مفجر الثورة، واللواء
مفضل والحاج عبد المالك والعمدة محمد ومهني وأنور وراغب، و6 من البنات)، هذا الرجل
الوطني كان رجلا بسيطا وأميا لكنه كان معروفا بذكائه الفطري، ويؤخذ عليه أنه كان
يورث أبناءه الذكور دون البنات، وهو التقليد الذي كان يسود معظم عائلات الريف
آنذاك. أراد أبوزيد أن يتسلح ابنه ونظراؤه بالعلم والمعرفة لطرد المحتل وتحرير
البلاد وتمتعها بحريتها وتقدمها.
***
ولد الابن خليل عام 1890ميلادية في قصر والده المنيف بقرية دير مواس،
حيث تلقى علومه الأساسية هناك، وحين أتى العام 1910م، قرر العمدة أبو زيد عمدة دير
مواس أن يرسل ابنه خليل ليدرس الزراعة في بلاد الإنجليز. لقد اتفق هو والشيخ عبد
الرازق (من كبار أعيان قرية أبو جرج) بالبهنسا (مركز بنى مزار حاليا) على ابتعاث
أبنائهم لبريطانيا للحصول على التعليم العالي هناك. أبو زيد يرسل ابنه خليل
لإنجلترا ليدرس الزراعة ويتعرف على ثقافة (المحتل) لعله يأتي ويشارك في جلائهم عن
البلاد، وبعدها حين يأخذ الشيخ علي عبد الرازق شهادة العالمية من الأزهر، في خلال
عام على الأكثر، يرسله والده الشيخ عبد الرازق ليلتقي مع خليل أبو زيد في إنجلترا
لدراسة الاقتصاد (الشيخ علي عبد الرازق، هو موضوع الفصل التاسع في كتابنا هذا
أيضا).
كان رأي الأعيان والعمد في الصعيد، أن أعظم سلاح للوطنية والحرية هو
سلاح العلم، وغداً سيكون الدكتور خليل أبو زيد والشيخ علي عبد الرازق من أهم
الشخصيات في مصر متسلحين بالعلم والمعرفة والوطنية لبناء هذا الوطن الكريم. وكان
العمدة أبو زيد كثيرا ما يردد "لن نقف مكتوفي الأيدي أمام الاحتلال، لن نقف
مكتوفي الأيدي أمام تقدم الوطن وإعلاء شأنه"، وسافر خليل إلى إنجلترا في صيف
عام 1910 م (وعمره 20 عاما)، على نفس المركب التي تحمل الطالب أحمد محمد أحمد
حسانين (احمد حسانين باشا لاحقا) ذاهبة بهما لجامعة أوكسفورد (The University
of Oxford) حيث سيدرس خليل الزراعة.
قامت الحرب العالمية الأولى في 28 يوليو من عام 1914م قبل أن ينهي
خليل أبو زيد دراسته بعام واحد أو ربما بعامين، انقطعت كل سبل السفر عبر البحر ما
بين مصر وإنجلترا، فقضى خليل أبو زيد كل سنوات الحرب الأربع في إنجلترا قبل أن
يعود لمصر في أواخر عام 1918م.
ويذكر أحمد جمال راغب،
حفيد شقيق الدكتور خليل أبو زيد، أن الدكتور خليل كان وفدي التوجه لكونه أحد مؤيدي
الزعيم سعد زغلول، تلقى تعليمه في بريطانيا في كلية الزراعة بجامعة
"أوكسفورد "، وحصل على الدكتوراة، وأمضى هناك 8 سنوات كاملة في
بريطانيا، شاهد حرية حقيقية هناك، ولما عاد ووجد ظلما شديدا في مصر لم يقبل بالوضع.
لم يكد يمضي على وصول
الدكتور خليل أبو زيد إلى مصر سوى أربعين يوما تقريبا، حينما أعتقل الإنجليز في 8
مارس 1919م سعد زغلول ومرافقيه أحمد باشا الباسل ومحمد باشا محمود وإسماعيل
صدقي وسينوت حنا ومكرم عبيد وفتح الله بركات وعاطف بركات وأرسلوهم للمنفى بمالطا.
ثار الشعب المصري كله من شمال مصر لجنوبها ليس تضامناً مع سعد زغلول وأصحابه بقدر إحساسهم
بأن سعد زغلول رمز للمصريين جميعاً في رغبتهم للتحرر. وعليه كان سكان الصعيد
وأهالي دير مواس على وجه الخصوص في طليعة هؤلاء الثوار الرافضين للإنجليز
والغاضبين لاعتقال سعد باشا ومن معه. وهو الأمر الذي أشعل جذوة الحماسة عند خليل
أبو زيد علي محمود حسن سالم وابن عمه عبد الرحمن حسن علي محمود حسن سالم بل وعائلتيهما
وأهل بلدهما جميعاً.
***
وكان قصر العمدة " أبو زيد بك علي" في
دير مواس بمثابة مركز سياسي لتوعية الناس وتأييداً لسعد زغلول ورفاقه، بل إن ابنه الدكتور "خليل أبو زيد" جعل من قصر أبيه برلماناً
شعبياً ومركزاً ثورياً خطيراً لمبايعة سعد زغلول ورفاقه. غير أن حادثة القبض
على سعد زغلول ونفيه هو ورفاقه، أججت مشاعره ومشاعر رفاقه وأهالي دير مواس،
مما دفعه للتحرك والقيام بأحداث متتابعة انتهت بقطع خطوط السكك الحديدية وإيقاف
قطار الإنجليز فيما بعد. ولم يكن ينوي قتلهم، ولكن لما أخرجوا أسلحتهم وهددوا
الأهالي ولم يبالوا بحشود الآلاف، كان مصيرهم القتل.
ولهذا قصة نرى أن تروى تفاصيلها بدقة.
![]() |
سرايا عمدة دير مواس الحاج أبو زيد على محمود
حسن سالم(بيت الثورة)، والد قائد الثورة الدكتور خليل أبو زيد، حيث كانت تتم
الاستعدادات لثورة دير مواس في 18 مارس 1919م، ومازالت السرايا قائمة حتى اليوم.
|
***
خليل يقود الثورة "البداية":
عاد خليل من لندن وهو مفعم بأفكار الحرية والمساواة والعدل، مع ضرورة
مكافحة المستعمر، وأراد إن ينقل أفكاره لأهله ويبث فيهم الشعور بالوطنية ودفعهم
لنشد التحرر. فبدأ يدير جلسات وطنية مهمة في سرايا والده العمدة كل يوم بعد صلاة
العشاء، حول مقاومة الإنجليز وضرورة عودة سعد زغلول ورفاقه، رغم أنه لم يزل عائداً
من إنجلترا حديثاً. لكن ظروف البلد وغضب الناس ووحشية الإنجليز واعتقال سعد دفعته
لأن يعقد تلك الندوات الوطنية بحماس شديد. وكان قد أهلته الدرجة العلمية (دكتوراه في
علوم الزراعة) التي حصل عليها من إنجلترا في وقت مبكر جدا من تاريخ مصر الحديث، أن
يتولى منصبا مرموقا في الحكومة المصرية؛ كما رشحته غالبية الجهات؛ لكن وطنيته
دفعته أن يرفض قبول العمل كمدير زراعة في أسيوط في ظل الطاغية (كوكسن باشا) مفتش
الري الإنجليزي، الذي تتبعه كل الترع والقنوات. وكان خليل يقول عنه " هذا
الفاجر السكير الذي لا يفيق من غيبوبة سُكره إلا حين يشتكي الباشوات من سرقة
الفلاحين لمياه الري، وحينها يلحق (كوكسن) بالفلاحين الخراب ويقطع عنهم المياه".
كان (كوكسن) رمزاً للاحتلال الإنجليزي البغيض بكل سلطويته وديكتاتوريته،
لذا لم يقبل خليل أبو زيد وظيفة مدير زراعة حتى يرحل (كوكسن) هذا. بل لن يقبل
الوظيفة حتى تنجلي غمة الاحتلال. لكن المدهش أن خليل أبو زيد لم يكن في ضميره ولا
بأخلاقياته يعلم أن كلماته التي يقولها بحماسة للأعيان والفلاحين في (سهراته) ضد
الإنجليز والاحتلال الإنجليزي يمكنها أن تدفع (نور المراكبي) لجريمة قتل. نور
المراكبي الذي عانى من ظلم (كوكسن)، قرر أن يقتله وحين مرت مركبه بجوار الكوبري
أطلق عليه عيار خرطوش من البندقية الإنجليزية التي سرقها من أحد جنود الجيش
الإنجليزي من الأستراليين فقتله.
صارت الإشاعات في مديريتي أسيوط والمنيا بأن موت (كوكسن) جاء بعد رجوع
الدكتور خليل أبو زيد من إنجلترا كرسالة من الفلاحين للإنجليز بأننا تخلصنا من
مفتش الري الإنجليزي، ونريد خليل أبو زيد (المصري) بدلاً عنه. وهو الأمر الذي أثار
حفيظة بعض الباشوات الذين يعملون لصالح الإنجليز (نادى الأعيان، كما سنصفه لاحقا) في
أن يقوم بالإبلاغ عن أن المحرض على قتل كوكسن هو خليل أبو زيد نفسه. وعليه جاءت
بناء على هذا البلاغ حملة كبيرة من رجال الشرطة وعساكر الهجانة (السودانية) بحثاً
عن قاتل كوكسن، وظلت أكثر من ثلاثة أيام تحقق مع عائلة أبوزيد فيما نسبته إليهم
أقوال الباشا بشأن التحريض على قتل كوكسن. ولكنهم لم يجدوا دليلاً مادياً واحداً
ضد خليل أبو زيد ولم يستطيعوا الحصول على أي معلومة فرحلوا. وقبل أن يغادر
الإنجليز والهجانة دير مواس بعد التحقيق في مقتل كوكسن باشا، أضرموا النيران في
عديد من القرى والبيوت، والناس كانت في غاية الغضب، وكانت قلوب المصريين (الصعايدة)
تمتلئ حقداً وغضباً على الإنجليز ومواليهم. بينما الباشا – عميل الإنجليز – ونادى
الأعيان أضمروا في صدرهم وتوعدوا بالثأر للباشا (كوكسن) من عائلة أبو زيد جميعاً.
***
ويذكر
أحد أحفاد زعماء الثوار، الحاج بهجت أنور أبو زيد، نجل الشقيق الأخر للدكتور
خليل أبو زيد "مفجر الثورة في دير مواس بأسيوط والمنيا" قال: إن الثورة
بدأت في دير مواس بعد عدة اجتماعات داخل منزل العمدة أبو زيد (ومن المعروف أن
عائلة أبوزيد كانت من أعيان مركز دير مواس وتمتلك أبعديات ومئات الأفدنة الزراعية
وكان هو عمدة القرية وله مكانة كبيرة بالبلدة، حيث كان يمتلك 560 فدانا، خصص منها 29
فدانا في عزبة «أبو زيد»، آخر شارع الجيش بدير مواس (حاليا)، للإنفاق على مضيفة
العائلة الملحقة بالدور الأول بقصر العائلة، وكانت تستقبل أهل البلد والغرباء).
واتجهت أنظار الأهالي إلى ابنهم المثقف والثوري
والقادم من بلاد الإنجليز، أن يتولى الدفاع عنهم وتبني آرائهم، حيث كلفوه وقتها
بالتفاوض مع الإنجليز للإفراج عن الزعيم سعد باشا زغلول، لما عرف عن دكتور خليل
طلاقته في التحدث بالإنجليزية وطلبوا منه مقابلة المندوب السامي البريطاني في مصر (إدموند
هنري هاينمان اللنبي (Edmund Henry Hynman Allenby) لطلب
العفو منه في عودة سعد ورفاقه.
![]() |
|
![]() |
|
![]() |
الحاج أبوزيد على محمود
حسن سالم، عمدة دير مواس (1919م) ووالد الدكتور خليل أبو زيد مفجر ثورة دير مواس
في مارس 1919م.
|
|
العمدة محمد أبو زيد شقيق زعيم ثورة المنيا عام 1919م، وأحد قواد
الثورة والداعم القوى لآخوه دكتور خليل أبو زيد.
|
|
صورة
الشهيد عبد الرحمن حسن علي محمود سالم ابن عم قائد الثورة الحقيقي الشهيد
الدكتور خليل أبو زيد.
|
***
شهادة
من شيخ المؤرخين المصريين عن ثورة دير مواس:
عن واقعة دير مواس يقول شيخ المؤرخين المصريين عبد
الرحمن الرافعي (1889 -1966م، وهو معاصر
لتلك الأحداث، وعُني بدراسة أدوار الحركة القومية في تاريخ مصر الحديث):" لم يحدث في تاريخ
الإمبراطورية البريطانية التي لم تغب عنها الشمس أن تصدى مدنيون لعسكريين كما حدث في
قرية دير مواس في 18 مارس سنة 1919م
". فالبداية
كانت قبل ثورة 1919م أربعون يوما حيث عاد الدكتور خليل أبو زيد من لندن إلى دير
مواس بعد حصوله على درجة الدكتوراة.
كانت مصر مستعمرة بريطانية وقتها، وكانت بريطانيا تستولى على كل شيء
حتى «الحمير والجمال» لصالح ما يسمى بالمجهود الحربي للحرب العالمية الأولى. فلما
عاد خليل ورأى ذلك، بدأ يجتمع بشباب دير مواس ويشغلهم بالقضية الوطنية وبالحرية وينذرهم
بعواقب الاستعمار، وكان يجتمع مع كل الأسر والعائلات، لأن «دير مواس» في ذلك الوقت
كانت قرية متداخلة وترتبط عائلاتها بصلات نسب ومصاهرة مع بعضها، والاجتماعات كانت
تتم في قصر «أبوزيد».
***
التخطيط للثورة وتوالى الأحداث:
اندلعت
الثورة في كل مكان، ولم يكن الصعيد بعيدا عنها، ولكن اتفق ثوار الصعيد على توحيد
جهودهم، وتلاقت وجهة نظر "جرجس حنا" المحامي (كان من أشهر المحامين في بندر أسيوط، وكان ثورياً وطنياً
وكان خطيباً بليغاً، لا يخطب في الناس إلا ويلهب حماستهم)، تتفق مع وجهة
نظر خليل أبو زيد في أن تتضافر كل القوى الوطنية في الصعيد، وهو ما دفع جرجس لقبول
دعوة خليل لزيارته في دير مواس. كان رأي الدكتور خليل أبو زيد أن يسافر هو وجرجس
حنا المحامي وابن عمه عبد الرحمن حسن محمود للقاهرة مع مجموعة من وجهاء الصعيد
وأعيانه لدعم الثورة بالقاهرة، ولقاء المندوب السامي الإنجليزي في عقر داره. والمطالبة
بعودة سعد باشا ورفاقه لمصر؛ وكذلك سحب العساكر (الهندوس) الذين جلبتهم إنجلترا من
معسكراتها في الهند والسودان، بعدما عاثوا في مدن وقرى الصعيد فساداً، ووصل بهم الأمر
لتحويل قرى بأكملها إلى أكوام تراب واغتصاب النساء فيها بدافع قمع الثورة.
هنا تبدأ حكاية وطن، حيث اتفق الجميع خليل أبو زيد ومن معه أن
يلتقوا بأعيان بندر منفلوط، للاجتماع التحضيري الذي سيتم إجراؤه في بندر ديروط قبل
السفر للقاهرة ولقاء المندوب السامي البريطاني. كان اجتماع ديروط هو الأهم حيث سيلتقي فيه كل عمد ومشايخ وأعيان
وعرب منفلوط وديروط ودير مواس وملوي وأبو قرقاص، كانت أهمية ذلك الاجتماع تكمن في
أن يتفق فيه الجميع على ورقة العمل التي سيتحاورون فيها مع المندوب السامي
بالقاهرة.
على الجانب الآخر كانت هناك ثورة مضادة، حيث كشفت
المستندات والوثائق الجديدة عن ثورة 1919، التي حصل عليها المفكر الكبير الدكتور
رفعت السعيد رئيس المجلس الاستشاري لحزب التجمع، عن أبعاد جديدة وملابسات مختلفة
لثورة 19، بينها الثورة المضادة التي واجهت الوفد المصري بقيادة الزعيم سعد زغلول.
فقد أكدت الوثائق الجديدة أن هناك عدداً من الأعيان كانوا على تواصل مع الإنجليز
عام 1919م، وحاولوا تأسيس ما يُسمى بـ «نادى الأعيان» بمعاونة محمد سعيد باشا،
بهدف منازعة «الوفد المصري» في حق تمثيل المصريين، ونادوا بعمل وفد جديد يشكّله
الأمير " عمر طوسون" لمواجهة وفد" سعد زغلول" وزملائه. ومن
بين هؤلاء الأعيان الذين وصفتهم الوثائق بـ«الخونة»: محمد الشريعي باشا وكامل جلال
ومصطفى ماهر وتوفيق شهاب الدين ومحمد هلال (طبقا لمقال الدكتور رفعت السعيد رئيس
حزب التجمع السابق – جريدة الوطن عدد السبت 06-09-2014، وأيضا مقال الأستاذ محمد
العمدة -في جريدة الوطن بعنوان: وثائق ومستندات جديدة عن
«1919»: تفاصيل «الثورة المضادة» لإجهاض حلم سعد زغلول، نشر في نفس اليوم 10:34 ص |
السبت 06 سبتمبر 2014م).
***
قطار الثورة ينطلق من منفلوط إلى دير مواس:
وبدأت
الاجتماعات تدور لتوحيد الصفوف وبث روح الثورة، ووصل خليل أبو زيد ورفاقه إلى
منفلوط، ووصلت للباشا – عميل الإنجليز - بأن اجتماع شعبي في منفلوط ليلاً قد أثار
حماسة الناس لدرجة أن الفلاحين صرخوا بالهتاف معلنين السفر لبندر ديروط لحضور
الاجتماع الوطني مع أعيان الصعيد ضد الإنجليز. فرأى الباشا أنه لا حل سوى تعطيل
القطار الذاهب لديروط. وفي يوم الرجوع من منفلوط صباحاً لديروط خطب خليل أبو زيد
في الناس أمام محطة قطار منفلوط فأثار حماستهم وغيرتهم الوطنية وألهبها، ثم خطب من
بعده جرجس حنا المحامي ثم خطب عين أعيان منفلوط ومن بعده خطب عمدة ملوي ثم عبد
الرحمن حسن (ابن عم خليل)، كل منهم كان يخطب في جماعة وفي نفر من الناس. كان صياح
الناس يملأ الأجواء، عشرات الآلاف احتشدوا أمام محطة قطار منفلوط. ثم دخل خليل أبو
زيد بصحبة الأعيان لمحطة القطار متوجهين لرصيف المحطة ليستقلوا القطار، ووسط
الزحام الشديد كأنه يوم الحشر، أعلن مستر (فورد) ناظر المحطة (الإنجليزي) تعطل
القطار المتجه لديروط.
قرر خليل أبو
زيد ومن معه أن ينتظروا قطار الإكسبريس القادم من الأقصر ليستقلونه إلى ديروط،
لابد أن يتم اجتماع ديروط مهما كلف الأمر. كان عليهم الانتظار لأكثر من ثلاث ساعات
داخل المحطة، الأمر الذي جعل الخبر يتطاير كشظايا النار بين البيوت لتهب الناس من
القرى والنجوع المجاورة بالمئات متوجهين لمحطة القطار تأييداً ودعماً لخليل أبو
زيد ورجاله، واحتشدت الناس وتوافدت حتى أصبح ميدان محطة منفلوط والمحطة نفسها ليسا
فيهما موضعً لقدم.
ظل خليل أبو
زيد وابن عمه عبد الرحمن وجرجس حنا المحامي وعمدة منفلوط يخطبون في الناس، حتى جاء
قطار الإكسبريس في الساعة العاشرة، زحفت الناس بالمئات نحو عربات القطار لتستقله
على أمل حضور اجتماع ديروط، حتى أن سطح القطار لم يكن فيه مكان لموضع قدم. دخل
خليل أبو زيد ومن معه القطار بصعوبة بالغة حتى أنهم هرعوا لعربة الطعام في القطار،
على أمل أن يجدوا فيها موضع قدم لهم حتى يصلوا ديروط، دخلوا عربة الطعام وكان
آخرهم عمدة ملوي الذي أغلق باب العربة منعاً لزحف المتحمسين من الأهالي، وحينما
استداروا داخل العربة وجدوا مالم يكن في حسبانهم على الإطلاق.
***
بداية الثورة والعنف:
كان هناك
ثمانية من الضباط والعساكر الإنجليز في عربة الطعام يشهرون أسلحتهم في وجه خليل
أبو زيد ومن معه، وينظرون للموقف بأكمله بعين التوجس والريبة، شاحبي الوجوه وقد
جزوا على نواجذهم وفي وضع الاستعداد لإطلاق الرصاص.
تحدث خليل
أبو زيد للضباط الإنجليز بأن لا يخافوا، فهم لم يستقلوا القطار ليقتلوهم، وفي
المسافة من منفلوط وحتى ديروط تحدث معهم خليل أبو زيد كما كان يتحدث مع زملائه
الإنجليز في جامعة أوكسفورد، عن ضرورة إنهاء الاحتلال فوراً والإفراج عن سعد زغلول
ورفاقه، بل تحاور معهم عن حق مصر في أن تصبح جمهورية أو مملكة مستقلة تتمتع بما
تتمتع به البلاد الحرة. وقد عانت إنجلترا في الحرب العظمى من فكرة استلاب حريتها
ولكن بكفاحها وكفاح الشعب الإنجليزي أحرزوا الانتصار واستعادة حريتهم، لسنا أقل من
الإنجليز.
لم يعجب هذا
الكلام الكولونيل (بوب) وأخذ يتحدث باستعلاء وغطرسة مع خليل أبو زيد، هنا كان
القطار قد وصل لمحطة ديروط، وقد ملأ الغضب قلوب المصريين الجالسين في نفس العربة
مع الإنجليز، حتى خليل أبو زيد نفسه كان غاضباً غضباً شديداً من (بوب) الضابط
الإنجليزي رئيس مصلحة سجون الوجه القبلي.
كانت الجموع
البشرية في محطة ديروط لا تقل زحاماً عن منفلوط في استقبال خليل أبو زيد ومن معه
من أعيان الصعيد باللافتات والأعلام والهتاف لمصر، وحين نزل خليل أبو زيد وأعيان
الصعيد من القطار، أخذتهم الناس بالأحضان. بينما أعلنت صافرة المحطة
بمغادرة قطار الإكسبريس محطة ديروط متوجهاً للقاهرة. هنا قفز جرجس حنا مخاطباً في
الناس بأن لا يدعوا القطار يرحل، ثم نظر لخليل أبو زيد بينما ذهب عرفة الأشول وهو
فلاح بسيط ممن آمنوا بأفكار خليل أبو زيد عن الحرية والاستقلال إلى غرفة قيادة
القطار وسحب السائق الإنجليزي ومساعده بالقوة خارج مقصورة القيادة.
كانت الناس تنظر لخليل أبو زيد وهو يخطب فيهم بأن
المصريين سيحصلون على حريتهم رغم أنف الإنجليز، سيحصلون على الحرية رغم أنف ملكة
الإنجليز ذاتها. في هذه اللحظة صاح عبد الرحمن حسن على محمود سالم (من شدة الغضب
ومن شدة ما رآه من استعلاء كولونيل (بوب) بعربة الطعام) في الجموع المحتشدة أثناء
خطاب خليل أبو زيد "بأن المصريين يهتفون منذ زمن ولكن بلا أفعال ثورية حقيقية
على أرض الواقع، "يا أهل مصر عليكم أن تفعلوا اليوم ما كان يجب عليكم فعله
منذ زمن"، فها هو القطار يجلس فيه قائد إنجليزي سليط اللسان لا يريد لمصر
خيراً.
وقبل أن يكمل
عبد الرحمن حديثه للجموع المحتشدة من حوله، ونظراً لإيمان الناس بهؤلاء الرجال
الذين رأوا فيهم رمزاً ونوراً للحرية والاستقلال، هب الناس مندفعين صائحين لعربة
الطعام بالقطار، محاولين الفتك بالضباط الإنجليز. في هذه اللحظة كان (عرفة) أول من
ترك مكانه قرب عربة القيادة مهرولا لعربة الطعام للثأر من الضباط الإنجليز. كان
الفلاحون يهرولون في كل مكان محاولون الفتك بالضباط الإنجليز. كانوا فوق رصيف المحطة وعلى قضبان السكة الحديد،
وفوق القطار وتحت القطار. وهنا قفز السائق الإنجليزي إلى غرفة قيادة القطار وتحرك
بالقطار في طريق ذهابه للقاهرة، فدهس العشرات وتمزقت أجساد العديدين من الفلاحين
تحت عجلاته. والمدهش انه بالرغم من أن
القطار كان يفرم أشلاء الثائرين فرماً وتسيل منها الدماء الحرة الغزيرة الهادرة،
لم تنهزم عزيمة المصريين، ولم يمنعهم ذلك من الصعود إلى القطار والفتك بالضباط والجنود
الإنجليز الذين لم تنفعهم أسلحتهم.
وفى
محطة سكك حديد دير مواس التالية (8 كم شمال ديروط)، عندما سمعت الجماهير بقدوم
قطار به (بوب) وجنود إنجليز المتغطرسين، حيث تم مهاجمتهم من قبل في محطة ديروط
السابقة، فزحفت حشود دير مواس في انتظار القطار. وأتت جماهير قوامها 4 آلاف متظاهر
عازمة على قطع خطوط السكك الحديدية أمام قطار الجيش الإنجليزي، وهاجموا القطار، واستكملوا
قتل الضباط والجنود الإنجليز، وهم “ الميجور
جارفر ” والملازم “وللسي” و5 جنود
آخرين، فيما انتحر مفتش السجون القائم مقام “بوب”، داخل مفحمة القطار، هربا من
الموت بالعصي، بعدما رفض ارتداء ملابس السيدات كجنوده وضباطه. وفى محطة دير مواس كانت جموع الغاضبين قد قتلت
كل الضباط الإنجليز ومزقتهم تمزيقاً عنيفاً. بل استطاع الأهالي منع تقدم القطار
إلى الشمال بعدما سحبوا أسطوانة التشغيل، وأخذوا يخطفون جثث الضباط والجنود من
شبابيك القطار ومن بينها جثة (بوب) الضابط الإنجليزي وألقوها على الأرض، وأخذوا
يهتفون: تحيا مصر، يحيا سعد، يسقط الإنجليز وكان ذلك في يوم 18 مارس 1919م.
![]() |
صورة
أرشيفه لمظاهرات ثورة مارس 1919م
|
الاستعداد
لانتقام المحتل:
بعد
تلك الأحداث العنيفة ومقتل رموز الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس،
توقع أبناء دير مواس قدوم الجيش الإنجليزي للانتقام لقتلاهم ورد اعتبارهم أمام
أهالي القرية بل وامام مصر كلها. وبالتالي حدث مشهد من مشاهد الوحدة الوطنية وكان
تضامنا تلقائيا وحقيقيا بين المسلمين والمسيحيين، فقد نادت مآذن «دير مواس» على كل
الأهالي بأن يجتمعوا في مسجد أولاد محمود (وهو مسجد تابع لعائلة أبوزيد، وسمى على
اسم جدهم محمود). وتم إحضار مصحف وإنجيل، وكان يمسك بالمصحف شيخ وبالإنجيل قس؛
فالمسلم يحلف على المصحف والمسيحي يحلف على الإنجيل، والقسم كان على عدم الخيانة
والتماسك ضد الإنجليز وعدم الإبلاغ عن الثوار. فقد كان هناك خوف من أن تحدث خيانة
من الداخل، لأن الخارج مقدور عليه؛ وأقسم الجميع في مشهد من مشاهد الوحدة الوطنية.
لكن حدثت الخيانة فعلا من أحد الأشخاص وأبلغ الإنجليز بأسماء الثوار؛ لأسباب تتعلق
بالتنافس على العمودية وانتزاعها من عائلة أبو زيد.
***
بعد تلك الحادثة، عاشت القرية قرابة شهرين في حالة من الهدوء. وفي
الجانب الأخر ومع قدوم يوم 20 مايو 1919م تحقق حلم "محمد سعيد باشا"
بتشكيل الحكومة وتولى فيها إلى جانب رئاسة الوزراء مسئولية وزارة الداخلية (20 مايو
1919 - 20 نوفمبر 1919م)، وهنا تفجرت من جديد قضية دير مواس. وأصرت إنجلترا على
عقد محاكمة عسكرية حازمة لمحاكمة المتورطين في قتل الضباط والجنود الإنجليز في
قطار الصعيد. بعدها حضرت قوات الإنجليز وحاصرت القرية بالدبابات، والمدافع والجمال والكرابيج،
وكانت القوات البريطانية عازمة على أن تمثل بأهل القرية الذين تجاوزوا خطوطها الحمراء.
تم حصار دير مواس، ولم يكن أحد من الإنجليز يعرف وجوه المطلوبين وفقا للقائمة التي
سرّبها لهم أحد الأشخاص الخائنين، فلم يكن لديهم سوى أسماء الثوار فقط. ودخل قائد
القوات الإنجليزية إلى القرية وهو يتحدث بالإنجليزية، ولم يكن أحد من أهل القرية
يتحدث بلغتهم سوى الدكتور خليل أبو زيد، الذي قابل القائد قائلا: «أنتم ماذا
تطلبون؟ فرد القائد: «نحن قادمون للقبض على المجرمين». ولأن خليل كان ذكيا فقد أقنع القائد بأن يُطلعه
على قائمة الأسماء المطلوبة، حتى يدله عليهم، فقرأ القائمة عدة مرات حتى حفظ
الأسماء المطلوبة.
ثم بعد أن اطمأن من أنه حفظ كل الأسماء المكتوبة
في القائمة. قال للقائد الإنجليزي: «أهل القرية فلاحون يذهبون إلى حقولهم في الصباح
ويعودون في المغرب، فلو أنكم دخلتم القرية الأن لن تجدوا أحدا منهم، والأفضل إنكم
تدخلون بالليل كي يكونوا رجعوا من أعمالهم»، فاقتنع القائد بكلام خليل، وشكره على
هذه النصيحة الغالية ووعده بمكافأة كبيرة.
المحاكمة والشهادة:
وفى الليل دخل الإنجليز القرية واكتشفوا الخدعة، وأن
خليل الموجود على رأس قائمة المطلوبين هو الذي كان يحدثهم ويقدم لهم المشورة. وأنه
هرب وقام بتهريب كل المطلوبين من الثوار وأهل القرية إلى قرية "تونة
الجبل" بمركز ملوي شمالا، فأستشاط الإنجليز غضبا وحاصروا القرية وأوقعوا
بأهلها أشد أنواع التنكيل والتعذيب. وبعد وصول تلك الأخبار للثوار باقتحام
منازلهم والاعتداء على أهاليهم، فما كان منهم إلا أن سلموا أنفسهم للإنجليز لإنقاذ
أسرهم، برغم علمهم بخطورة تسليم أنفسهم وما يترتب عليه من إعدامهم. وقبل أن يحل مساء ذلك اليوم كان هناك ثلاثمائة
وثلاثة وستون رجلاً قد تم ترحيلهم لسجن أسيوط العمومي من دير مواس فقط وعلى رأسهم
الدكتور خليل أبو زيد وعبد الرحمن أبن عمه بتهمة التحريض ضد حكومة الملكة والعصيان
المدني والإرهاب وقلب نظام الحكم والقتل العمد للضباط الإنجليز.
وتم محاكمة 91 مصرياً معظمهم من «دير مواس» والباقون من ديروط، منهم الأعيان وثلاثة من ضباط
البوليس وعمدة وشيخ بلد ومحام ومدرس وأربعة طلبة، وجمع من المزارعين والصناع. من
ضمن المتهمين 3 من عائلة أبوزيد وحدها، وهم خليل أبوزيد والعمدة محمد أبوزيد، وعبد
المالك أبوزيد، و3 من أبناء عمومتهم وهم عبد الرحمن حسن محمود، ومحمد على محمود،
ومحمود على محمود؛ وّجميعهم الستة كلهم من عائلة أولاد محمود.
وكانت التهم الموجهه إليهم أنهم في 18 مارس 1919م بديروط ودير
مواس قتلوا أو ساعدوا على قتل بعض الضباط والجنود الإنجليز، وأنهم تجمهروا مسلحين
بالنبابيت والعصي والطوب وأسلحة أخرى بقصد مهاجمة البريطانيين بالقطار عند وصوله
دير مواس.
وقد بدأ نظر هذه القضية أمام المحكمة العسكرية البريطانية
العليا التي انعقدت في أسيوط بدءاً من يوم 17 مايو 1919م وكانت مؤلفة من سبعة
أعضاء من ضباط الجيش الإنجليزي برئاسة "اللفتننت كولونيل" (دونس Downes)، وسمعت المحكمة
شهادة 51 شاهد إثبات ونحو 155 شاهد نفي. وانتهت المحاكمة "خلال شهر فقط" يوم 17
يونية وتم حكم الإعدام على 51 متهما وعفا القائد العام عن واحد منهم، وتم تعديل
عقوبة الإعدام إلى الأشغال الشاقة بالنسبة لعشرة آخرين؛ وبعد وساطة رئيس الوزراء
" محمد سعيد باشا "، عدلت عقوبة الإعدام للأشغال الشاقة بالنسبة إلى ستة
آخرين. ويقول شيخ مؤرخي مصر (عبد الرحمن الرافعي): من أكثر أحكام الإعدام التي
صـدرت عن المحاكم العسكرية البريطانية، ونفذت فعلا تلك الأحكام، التي أصدرتها
المحكمة العسكرية بأسيوط في قضية ديروط ودير مواس
عام 1919م.
***
وتم إعدام كل من الدكتور خليل أبو زيد (بعد مضي بضعة أشهر فقط على قدومه من
إنجلترا) وعبد الرحمن ابن عمه في يوم 19 يونيو 1919م الساعة السادسة
صباحاً مع 47 مصرياً في سجن أسيوط العمومي؛ حيث أقام الإنجليز 34 مشنقة في صفوف
متراصة داخل ساحة السجن وأعدموا الجميع على المشانق في لحظة واحدة (منهم 16 من دير
مواس)، وتم دفن 14 من هؤلاء الشهداء في مقبرة جماعية أمام الوحدة المحلية لمركز دير مواس .بينما تم تسليم جثة الشهيد الدكتور خليل أبو زيد وابن عمه عبد
الرحمن لأسرتيهما ليتم دفنهما بمدافن العائلة وتم مصادرة أملاكهما، المدهش أن خليل
وابن عمه عبد الرحمن ولدا معاً في يوم واحد عام 1890 م وتم إعدامهما معاً في يوم
واحد عام 1919م.
ممن
نالوا الشهادة مع خليل وابن عمه هؤلاء الأبطال من ثوار دير مواس وديروط وهم : عبد العليم فولي،
عبد المجيد فولي، محمد مرسي شحاتة، رزق مراد عبد الله، محمد مرسي محجوب، عبد
الحكيم عبد الباقي، فرغلي محمد مبارك، عبد اللطيف علي عبد الله، تغيان سليمان حسان،
عبد الجابر حمدان موسى، عبد الباقي علي حامد، عبد الله محروس، عبد الملك فرحات،
راغب سويفي علي، أبو المجد محمد عبدالله، عبد الملك سليم إبراهيم، راغب عبد العال
هلال، محمد علي مكادي، عبد العزيز عثمان شرابي، أحمد إبراهيم موسى الصعيدي، عباس
عبد العال البحيري، عباس عبد العال الفلاح، أحمد عثمان، أحمد محمد إبراهيم، عبد
الجابر أبو العلا، إسماعيل الدباح، قاسم محمد قايد، محمد أبو العلا، سيف أحمد
عبدالله الغرابي، هلالي جنيدي، عبد السلام أبو العلا، محمد إبراهيم عبيد.
وهكذا نجد أن جنود الاحتلال لم يفرقوا بين مسلم ومسيحي فالمشانق
حصدت أرواح 34 مصريا في جريرة الدفاع عن الوطن، وكان الكل نسيجا واحدا وفي خندق
واحد.
كما تم توقيع غرامات مشددة على الأهالي، وذلك بحسب روايات أحفاد زعماء الثورة بدير
مواس، ومنهم أمين مساعد جامعة المنيا ونقيب الاجتماعيين السابق بمحافظة المنيا
الأستاذ رفعت مهني أبوزيد، وأحمد جمال راغب حفيد شقيق خليل أبو زيد.
ولكون هذه الحادثة شهيرة في تاريخ المنيا، بل في
تاريخ مصر بأثره، فيوجد أمام مبني مجلس مدينة دير مواس نصب تذكاري وأخر في محطة
سكة حديد دير مواس سجلت فيه أسماء 16 شهيدا لتخليد تضحيات هؤلاء الرجال. وعرفانا بجميل هؤلاء الثوار أصبح تاريخ تلك الحادثة الوطنية النبيلة عيداً
قومياً لمحافظة المنيا. وأصبح
18 مارس من كل عام هو العيد القومي لمحافظة المنيا.
![]() |
نصب تذكاري لشهداء ثورة 18 مارس 1919م بمحطة سكك حديد دير مواس،
ويتصدره اسم الشهيد الدكتور خليل أبو زيد قائد الثورة.
|
على هامش ثورة دير مواس (بلد الدم والعسل):
يروي الشاعر إسماعيل حلمي رئيس نادي الأدب السابق
بدير مواس، "عندما كان ينتظر الأهالي قطار البضائع الذي يستقله الضباط الإنجليز
وجنودهم قادما من الجنوب، وقد شاركهم فيه الثوار والأعيان من محطة منفلوط إلى
اجتماع الثورة في ديروط (كما ذكرنا أعلاه). كان أحد تجار العسل الأسود بدير مواس (وهو منتج
مشهور لكثرة عصارات قصب السكر بدير مواس) يستعد لتحميل بضاعته بالقطار، وكان العسل
الأسود يعبأ داخل أوعية فخارية (تسمى بلاص، وجمعها بلاليص)، ولما أتي الجنود بالقطار
مغادرين ديروط ووصلوا إلى محطة دير مواس، واشتدت رحى المعركة بين الفلاحين
والإنجليز المسلحين، لم يجد الأهالي غير تلك البلاليص ليقذفوا بها الجنود البريطانيين
واختلط وقتها العسل الشهي بدماء جنود الاحتلال البغي، وقد قتلوهم جميعا، ومنذ ذلك
اليوم اشتهرت دير مواس "ببلد الدم والعسل".
قصة أخرى يرويها "رجب لقي شحاته" مدرس
اللغة العربية وأحد أبناء المدينة، ورويت في عدد من المراجع التاريخية، وهي أن
الضباط والجنود الإنجليز ارتدوا ملابس النساء بمساعدة ضابط مصري لإقناع المحتجين
بأنهم مصريات؛ لكن لم تفلح هذه الحيلة، ويستطرد الراوي: مفتش السجون "بوب"
هو الوحيد الذي رفض ارتداء ملابس نساء، كما رفض ارتداء طربوش؛ وإنه لم يقتل، ولكن حاول الهرب من عذاب الموت
بالعصي، فزج بنفسه داخل مفحمة القطار. وبعد مقتل جميع الجنود الإنجليز ومحاولة
نقلهم بالقطار إلى القاهرة؛ قام الأهالي والثوار في مركز ملوي بقطع خطوط السكك
الحديدية وأخرجوا جثث الإنجليز وطافوا بهم في البلاد.
ويقص أحد أهالي دير مواس كيف كان يغني المواطنون
وقتها وهم يطوفون شوارع قريتهم "يا طيارة يا أم ديل، وديتي بوب فين، وديتيه للدير
مواسية خرطوه خرط الملوخية، وديتيه للملوانية حطوه على العربية" حيث قيل إن
ثوار ملوي وضعوا جثة (بوب) القتيل هذا على عربة "كاروا" وطافوا به في
شوارع مدينتهم.
![]() |
تناول
الصحف المصرية لأحداث ثورة دير مواس (بلد الدم والعسل) "مارس 1919م"،
ويظهر خبر إعدام قائد الثورة دكتور خليل أبو زيد.
|
دروس من ثورة دير مواس:
أحداث دير
مواس كانت تمثل ثورة كبيرة ضد قوات الاحتلال البريطاني، وأهم الدروس المستفادة
منها، تكمن في المشاركة الشعبية العريضة، واصطفاف المسلمين والمسيحيين، واعتمادها
على الشباب، حيث قادها الدكتور خليل أبوزيد، وكان عمره 28 عامًا، ومات شهيدا، ولم
يتزوج بعد، فقد أمضى بين أهله بضعة أشهر فقط بعد عودته من إنجلترا، أمضاها في أتون
الثورة قبل أن يعدم. أيضا قاد الثورة
أعيان البلاد الشرفاء وساندتهم كل طوائف المجتمع. تحية لكل من ضحى من
اجل وطن حر نعيش فيه وللأبد..
وإذا
كانت ثورة مدينة زفتي في نفس السنة (عام 1919م)، قد خُلدت ذكراها وأحداثها من خلال
عمل درامي رائع عرضه التلفزيون المصري منذ سنوات في مسلسل تليفزيوني بعنوان
"جمهورية زفتي" (تأليف يسري الجندي ومن إخراج إسماعيل عبد الحافظ وإنتاج اتحاد الإذاعة والتلفزيون
المصري: صوت القاهرة؛ وتم بث المسلسل لأول مرة في رمضان 1998م). لذا أصبح
هذا الحدث مشهورا ومعروفا للقاصي والداني في مصر المحروسة. فإن أحداث ثورة الدم
والعسل بدير مواس، تحوي مفردات أكثر وتضحيات أكبر وأحداثاً اهم، لكن الغالبية
العظمي منا غير ملمين بها، حتى داخل إطار محافظة المنيا ذاتها. لذا طلبت من مخرجنا
المميز الأستاذ أحمد فؤاد درويش (مخرج سينمائي مصري عالمي، ومحب لتاريخ المحروسة)،
خلال زيارته لمدينة المنيا (في 18 أبريل 2019م) أن يتولى المساعدة في إنجاز عمل
يليق بتلك الثورة، وبالفعل اتصل بي بعد عودته إلى القاهرة، يبدى إعجابه بتلك
الأحداث، بعدما قرأ هذا الفصل كاملا، ووعد بأن يبحث عن منتج متحمس لهذا العمل،
وهذا ما نأمل أن نراه مستقبلا بإذن الله.
1)
عاطف المليجي (2018) برنامج بيوت مصرية، قناة
الصعيد التلفزيونية؛ مصر؛ ديوان عائلة أبو زيد بدير مواس (جزء أول 2 يوليو 2018م، جزء ثان 9 يوليو 2018م).
2)
عبد
الرحمن الرافعي (1987) ثورة 1919، تاريخ مصر القومي من سنة 1914 إلى سنة 1921. دار
المعارف – الطبعة الرابعة 1987 – صفحات: 256-397.
3)
مركز
وثائق وتاريخ مصر المعاصر (1984) شهداء ثورة 1919؛
سلسلة الدراسات التاريخية. الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، عدد الصفحات 233 صفحة.
4)
مصطفي أمين (1974) الكتاب الممنوع: أسرار ثورة 1919, المجلد 1،
دار المعارف، عدد الصفحات - 446 صفحة.









ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق